ابن ميثم البحراني
236
شرح نهج البلاغة
أنّه يصلح أن يكون ماثلا بين يديه قائما ، بل قد يعتقد من هو أشدّ كبرا أنّ ذلك لا يصلح للمثول بين يديه ، وكحسده والحقد عليه ، وكنظر العالم المتكبّر إلى الجاهل العامّي بعين الاستخفاف والاستجهال . وأمّا الظاهرة فكالتقدّم عليه في الطرق والارتفاع عليه في المجالس ، وكإبعاده عن مجالسته ومؤاكلته ، والعنف به في النصح ، والغضب عند ردّ قوله ، والغلظة على المتعلَّمين وإذلالهم واستخدامهم ، والغيبة والتطاول بالقول . وأمّا التروك : فكترك التواضع والاستنكاف عن مجالسة من دونه ومعاشرته وعدم الرفق بذوي الحاجات ونحو ذلك ممّا لا يحصى من الرذائل . وأمّا المذامّ الواردة فيه : فهي كثيرة في القرآن الكريم والسنّة النبويّة كقوله تعالى « كَذلِكَ يَطْبَعُ الله عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ » ( 1 ) وقوله « واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ » ( 2 ) وقول الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : يقول اللَّه عزّ وجلّ الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في جهنّم . وقوله عليه السّلام : لا يدخل الجنّة من في قلبه مثقال ذرّة من كبر . وإنّما صار حجابا عن الجنّة لأنّه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين الَّتي هي أبواب الجنّة . فالكبر والعجب يغلق تلك الأبواب كلَّها لأنّها لا تقدر على أنّ يحبّ للمؤمن ما يحبّ لنفسه وفيه شيء من العزّة ، ولا يتمكَّن من ترك هذه الرذائل وفعل أضدادها من الفضائل كالتواضع وكظم الغيظ وقبول النصح والرفق في القول وغيرها وفيه شيء من العزّة والكبرياء . وما من خلق ذميم إلَّا وصاحب العزّة والكبر مضطرّ إليه ليحفظ به عزّه . وما من خلق فاضل إلَّا وهو عاجز عنه خوفا أن يفوته عزّه فلذلك لم يدخل الجنّة من في قلبه مثقال حبّة من كبر . وبعض الأخلاق الذميمة مستلزم للبعض . وشرّ أنواع الكبر ما منع العلم واستعماله وقبول الحقّ والانقياد له . إذا عرفت ذلك فنقول : إنّه عليه السّلام حمد اللَّه تعالى باعتبارات : أحدها : لبسه للعزّ والكبرياء . ولمّا علمت أنّ الكبرياء لا بدّ فيه من أمرين : أحدهما : العلم بكمال الذات . والثاني : اعتبار الشرف والعلوّ على الغير
--> ( 1 ) 40 - 37 . ( 2 ) 14 - 18 .